يحيي بن حمزة العلوي اليمني
78
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التنبيه الرابع قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً [ الأعراف : 54 ] ظاهر الآية هاهنا دال على أن الغاشى هو الليل لقوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [ الليل : 1 ] فالليل إذا غاش للنهار يطلبه ، فهذا هو الظاهر من الآية ويحتمل أن يكون الغاشى هو النهار ، وأن الغشيان مضاف إليه دون الليل ، وأن الليل لا يغشى النهار ، بخلاف التكوير في قوله تعالى : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ] وبخلاف الإيلاج في قوله تعالى : يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [ الحديد : 6 ] فإن التكوير والإيلاج يصلح أن يكون في كل واحد منهما كما في ظاهر هاتين الآيتين ، والسر في ذلك هو أن التكوير هو الجمع ، يقال : كور الليل ، إذا جمعه ومنه كارة القصار ، والإيلاج هو الإدخال يقال : ولج في بيته ، إذا دخل فيه ، وهذان المعنيان يصلحان في كل واحد من الليل والنهار ، لأن الليل يجمع على النهار كما يجمع النهار على الليل ، وهكذا الإيلاج ، فإن الليل يدخل في النهار ، كما يدخل النهار في الليل . بخلاف الغشيان ، فإنه مخصوص بالنهار ، والسر في ذلك هو أن النور أمر وجودي محقق ، والظلمة أمر عدمي ، وحقيقتها آئلة إلى أنها عدم النور ، فهكذا تقول : الليل حقيقة آئلة إلى عدم الإضاءة ، والنور حقيقة آئلة إلى حصول الإضاءة والإنارة ، وإذا كان الأمر كما قلناه من ذلك صح وصف النهار بالغشيان لظلمة الليل ، لأنه يطلع بالإنارة فيغشى الليل بإذهابه ، ووصف النهار بكونه غاشيا استعارة حسنة ، إذ الغشاء هو الغطاء فنزله أعنى النهار في إذهابه لظلام الليل ، منزلة من يغطى الشئ بالغشاوة ويستره ، لأنه يذهب ظلمته ويزيلها بطلوعه ، ويمحوها بإنارته . ويجوز أن يكون من باب التشبيه ، ولهذا فإنك لو أظهرت أداة التشبيه لحسن ذلك ، فتقول النهار يذهب ظلمة الليل عند غشيانه كالثوب يغشى جسد الإنسان ويشتمل عليه عند ارتدائه به ، وتوجيهه على جهة الاستعارة ألطف بمعناه ، وأرق لألفاظه من التشبيه لأن الاستعارة فيه أظهر ، لأن المستعار منه مطوى الذكر ، فلهذا حسن موقعها وأنت إذا أظهرت أداة التشبيه تكاد تنقص من بلاغته ، وتغض من موقع فصاحته وإنما قال : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ [ الأعراف : 54 ] ولم يقل يلبس ولا يخلط الليل بالنهار ، لأن لفظة التغشية ، أبلغ في الإحاطة والشمول من لفظة الإلباس والاختلاط ، مع ما فيها من الرقة واللطافة ، والخفة والسلاسة ، وهي مؤذنة أيضا بشدة الاتصال والالتحام بين الغشاوة ، والمغشى ،